اهدنا الصراط المستقيم

صوت الأمة العدد 178
26/4/2004

نردد كثيرا.. أن الإسلام دين الوسطية.. نقول خير الأمور الوسط.. ونتصور أن الوسطية هى مسك العصا من منتصفها.. أو الوقوف بين منطقتين متنافرتين.. متناقضتين.. متباعدتين.. وهذا التصور فيه اجتهاد بشرى.. لا اجتهاد إسلامى.
إن الوسطية فى الإسلام هى الصراط المستقيم.. الخط الدقيق الفاصل بين الزيت والماء.. شعرة رفعية بين الحق والباطل.. ولان الوقوف على هذا الخط صعب.. ولأن الاحتفاظ بهذه الشعرة أكثر صعوبة.. فإن الصراط المستقيم لا نصل إليه إلا بالدعاء.. [ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِّينَ ] (7،6 الفاتحة) .. إننا نكررها كلما قرأنا الفاتحة.. ونحن نقرأ الفاتحة فى كل صلاة أكثر من مرة.. لأن الوصول إلى الصراط المستقيم صعب جدا.. لا نقول مستحيلا.
يقول الله سبحانه وتعالى للنبى ^ : [ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] (161 الأنعام).. فالصراط المستقيم هداية من عند الله.. ويقول سبحانه وتعالى: [وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ] (52 الشورى) .. فالصراط المستقيم الذى منحه الله للرسول يمنحه الرسول لغيره من المؤمنين.. هؤلاء المؤمنين يصلون إلى الصراط المستقيم بطاعة الله ورسوله.. يقول سبحانه وتعالى: [وَمَن يُطِعِْ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً ] (69 النساء).
لقد هدى الله النبيين إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق النبيين أنعم الله على قوم بهذه الهداية.. ثم هدى الله الصديقين إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق الصديقين أنعم الله على قوم بهذه الهداية.. ثم هدى الله الشهداء إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق الشهداء انعم الله على قوم بهذه الهداية.. ثم هدى الصالحين إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق الصالحين أنعم الله على قوم بهذه الهداية.
والكلام فى الصراط المستقيم دقيق جدا.. أرق من الشعرة.. ولكنه فى الوقت نفسه أحد من السيف.. المشى على الصراط المستقيم كالمشى على شعرة.. كالمشى على حد السيف.. ويستحيل أن يبحث أى شخص عنه بنفسه.. كل ما علينا أن نطلب من الله أن يهدينا الصراط المستقيم.. ونكرر ذلك بتكرار قراءة الفاتحة.. والمعروف أن الفاتحة كما فسرها سيدنا على زين العابدين بها ثلاث حقائق:
1-    الحقيقة الأولى حقيقية “حقية” وهى فى قوله سبحانه وتعالى : [ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ] كلها تتعلق بالحق.
2-    الحقيقة الثانية حقيقية “برزخية”  جامعة بين الحق والخلق.. وهى فى قوله سبحانه وتعالى :[ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ] فإذا تحقق الجزء الثانى كان الجزء الثالث أو الحقيقة الثالثة  .. وإذا لم يتحقق فقد الجزء الثانى والجزء الثالث.. إياك (حق) نعبد (خلق) وإياك ( حق) نستعين(خلق).
3-  الحقيقة الثالثة حقيقة خلقية وهى فى قوله سبحانه وتعالى: [ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِّينَ ] .. وهذه حقيقة لا نصل إليها إلا إذا وصلنا إلى الحقيقة الثانية الجامعة بين الحقية والخلقية [ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ] .. فإذا لم نصل إليها فقدناها وفقدنا الحقيقة الثالثة وبقيت لنا الحقيقة الأولى.
 يقول الحديث القدسى في صحيح مسلم – الجزء الأول ، ص(296) :
38 – ( 395 ) وحدثناه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا سفيان بن عيينة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة : عن النبي ^ قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تمام فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الأمام فقال اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ^ يقول : ( قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي ( وقال مرة فوض إلى عبدي ) فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ).
قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الحق حمدنى عبدى (الحقيقة الحقية) وإذا قال العبد الرحمن الرحيم يقول الحق أثنى علي عبدي وإذا قال العبد مالك يوم الدين يقول الحق  مجدني عبدي (الحقيقة البرزخية) فإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الحق هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل ( الحقيقة الخلقية).
والصراط المستقيم يشبه مركز الثقل بالنسبة للأجسام.. النقطة التى يتوازن عندها الجسم.. إذا لم يصل إليها وقع.. أو هى مثل مركز الدائرة.. لو ابتعدت عن مكانها ولو بمسافة غير محسوسة تغير شكل الدائرة..و لم تعد دائرة.. الصراط المستقيم هو نقطة الحياد.. نقطة قرار واستقرار الإيمان فى القلب التى يتحول فيها من قلب( سمى قلبا لأنه ينقلب ككف اليد بين الكفر والإيمان ) إلى فؤاد ( سمى فؤاد ويعنى المستقر وقد يستقر عند الإيمان وقد يستقر عند الكفر ) ومن ثم نطلب من الله أن يربط على قلوبنا بما نحب.. الإيمان.. يقول الله سبحانه وتعالى: [ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ]  (11الأنفال).
إن نقطة الحياد هى نقطة صعبة جدا لذلك نطلبها من الله (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ )) .. ونحن  نكرر (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ ))

ولا حول ولا قوة إلا بالله