نحن لا نقدر على أن يكون الرسول قدوة لنا

الفجر العدد 162
21/7/2008

هل هـؤلاء هـم الذين يقـول الله سبـحانه وتعـالى عنهـم في كتابه الكريم : [ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُواْ  لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالأخِرَةِ وَ اللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ] (19 النور) ؟
* يستر الله على عباده الذين يرتكبون الكبائر والفواحش .. لكنهم من باب التفاخر يفضحون أنفسهم بأنفسهم
* لا .. الذين يحبون الفاحشة هم الذين يفترون على المشاهير ورجال الله والسادة المحترمين وينسبون إليهم ما ليس فيهم وبدلا من تدمير سمعتهم نجد أن الناس تقلدهم .. فهم قدوة في الخير والشر .
لو أشعت أن رجلاًً صالحاً تزوج سراً فإنك دون أن تدرى تجعل الناس يقلدونه ويتزوجون سراً.. هذا نشر للفاحشة وليس طعناً في برئ منها.. ولو قلت أن رجلاً فاضلاً يدخن الحشيش ويتعاطى المخدرات بحجة أنك تريد أن يكرهه الناس فإذا بالناس التي تحترمه وترى فيه نموذجاً تقلده وتدخن الحشيش وتتعاطى المخدرات .. إن ذلك هو نشر الفاحشة ممن يحبونها.. وهم اللذين وعدهم الله بعذاب أليم في الدنيا والآخرة .
ذات يوم سمعت من شاب قصة إدمانه المخدرات.. فقد أراد جارهم في العمارة أن يطعن في أبيه فادعى أنه يتعاطى معه المخدرات .. وفضل الجار أن يسئ إلى سمعته حتى يلصق التهمه بأبي الشاب الذي أعتبر أن المخدرات ميزه طالما أن أبيه الذي يحبه ويحترمه يتعاطها.. فمشي في طريقها.. ولم يكتشف الحقيقة إلا بعد فوات الأوان .. إن ذلك الجار واحد من اللذين يحبون الفاحشة ويروجون لها بهدف آخر.
وفي قرية من قرى الصعيد أشاعوا عن شيخ الجامع أنه يشجع على الزواج السري فلم يفاتحه بعض أهالي القرية في ذلك وإنما لأنهم يحبونه قلدوه فانتشرت تلك الظاهرة المؤسفة في القرية.
والعذاب في الدنيا والآخرة أليم فإشاعة الفاحشة تعبر في الوقت نفسه عن البغضاء .. والبغض عندما يفيض عن الصدور يخرج إلى اللسان .. يقول سبحانه وتعالى : [ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ] (118 آل عمران).
ولا يقتل البغضاء إلا التسامح وهو ما يجب أن يدعو إليه علماء الدين دون أن ينسوا أنفسهم .. عليهم أن يبدءوا التسامح بأنفسهم .. عليهم أن يتمتعوا ببعض من صفات رسول الله ^ ..   لقد تعرض لأذى لم يتعرض له غيره .. ورغم ذلك في يوم فتح مكة سأل أهلها الذين أخرجوه منها كما ورد في الحديث الشريف في
سنن البيهقي الكبرى – الجزء (9) ، ص (200) :
18276- أخبرناه أبو بكر بن المؤمل أنبأ أبو سعيد الرازي ثنا محمد بن أيوب أنبأ القاسم بن سلام: فذكره وفيما حكى الشافعي عن أبي يوسف في هذه القصة أنه قال لهم حين اجتمعوا في المسجد ما ترون أني صانع بكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء.
إن العلماء هم ورثة الأنبياء وواجب عليهم أن يأخذوا منهم الرحمة والمعرفة والعفو والتسامح وسعة الصدر وحسن الظن لا أن يعنفوا الناس ويبلغوا عنهم النيابة ويدفعوا بهم إلى المحاكم متمنين حبسهم .. يكفيهم قـول الله سبحانه وتعالى : [ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُـوٓاْ  ] (38 الحج) .
سوء الظن ينتج عن الضعف والكبر ..  وفي الحديث الشريف الذي ورد في صحيح مسلم – الجزء الأول ، ص (93) :
147 – ( 91 ) وحدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار وإبراهيم بن دينار جميعا عن يحيى بن حماد قال ابن المثنى حدثني يحيى بن حمَّاد أخبرنا شعبة عن أبان بن تغلب عن فُضيل الفُقَيْمِيِّ عن إبراهيم النَّخَعِيِّ عن علقمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ^ قال: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قال رجل إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس ) .
يقول سبحانه وتعالى: [ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ  اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ] (12الحجرات).
ويقول سبحانه وتعالى : [ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ] (21 الأحزاب) .. ويفسر غالبية العلماء كلمة أسوة بالقدوة لكن أهل الله من الصوفية لا يقولون ذلك ويفرقون بين العبادة والإتباع والإقتداء والتأسي .
العبادة هي طاعة المتبوع طاعة مطلقه ابتغاء مرضاته وطمعاً فيما عنده .. وهذا لا ينبغي إلا لله .. نطيعه طاعة عمياء .. مطلقه .
والإتباع هو طاعة مطلقه للمتبوع ابتغاء مرضاة الله وطمعاً فيما عند المتبوع وهو وما عند الله .. إننا نتبع النبي ونطيعه طاعة مطلقه ابتغاء مرضاة الله .. [ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ] (31 آل عمران) .. وما عند النبي كثير.. الرحمة .. الحلم .. الشفاعة .. و باقي الأشياء الجميلة التي أعطاها الله له وأمرنا أن نأخذها عنه .. يقول سبحانه وتعالى : [ مَآ ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ ] (7 الحشر) .. والقدوة هي طاعة المقتدى به ابتغاء رضاء الله والرسول وطمعاً فيما عند المقتدى به وما عنده من الله ورسوله .. نحن نطيع الإمام ليس ابتغاء مرضاته وإنما طمعاً فيما عند الله ورسوله .. مثل أجر الصلاة .. ويجوز الاستدراك مع القدوة .. فمثلاً يمكن أن نذكر الإمام في السهو .. أو نكمل له لو نسي .. ونصحح له لو أخطأ .. والتعديل له لو تجاوز.. ومفارقته لو أصر.
يجوز في حق المقتدى أن نقتدى به ابتغاء مرضاة الله ورسوله ولكن يجوز أن ننبهه لو أخطاء .. إن ذلك لا يجوز في العبادة والإتباع .
أما التأسي فهو أمر مختلف تماماً عن الإقتداء لأن المقتدى يفعل مثل ما يفعل القدوة .. فلو تبرع القدوة بمليون جنيه تبرع المقتدى بالمبلغ نفسه .. أما المتأسي فيتبرع بجزء ولو ضئيل من القدوة .
إن النبي كان يصلى حتى تتورم قدماه لكننا لا نقدر على ذلك..لا نقدر على الإقتداء به .. يكفى التأسي.. والنبي لا يورث .. ولو اقتدينا به لا نورث .. ونحن نورث أولادنا.. وهناك أمثله أخرى . عندما قُتل سيدنا الحمزة عم النبي ^
كما ورد في الحديث الشريف في المستدرك على الصحيحين – الجزء (3) ، ص (218) :
4894 – حدثنا أبو بكر بن إسحاق ثنا محمد بن أحمد بن النضر ثنا خالد بن خداش ثنا صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي ^ نظر يوم أحد إلى حمزة و قد قتل و مثّل به فرأى منظرا لم ير منظرا قط أوجع لقلبه منه و لا أوجل فقال : ( رحمة الله عليك قد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات و لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تجيء من أفواه شتى ثم حلف و هو واقف مكانه و الله لأمثلن بسبعين منهم مكانك فنزل القرآن و هو واقف في مكانه لم يبرح { و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين } حتى ختم السورة و كفَّر رسول الله ^ عن يمينه و أمسك عما أراد ) .
.. قال سبحانه وتعالى: [ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ] (126 النحل) .. فقال النبي : ( إذن نقتل واحداً ) .. فقال سبحانه وتعالى: [وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ ] (126 النحل) .. فقال النبي : ( صبرت )  واحتسب عمه عند الله .
كان النبي يواصل الصيام ولا يفطر.. مغرب بعد مغرب .. بلا إفطار.. فلو كان قدوه لنا لوجب علينا أن نفعل ذلك .. لكن يكفينا التأسي.. وعندما حاول بعض الصحابة تقليده قال لهم كما جاء في الحديث الشريف الذي ورد في
صحيح البخارى الجزء(2) ص(48-49)-36 كتاب الصوم- باب الوصال رقم(47) :
1964 – حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد قالا أخبرنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله ^ عن الوصال رحمة لهم فقالوا إنك تواصل قال : ( إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقين ).
كان النبي يقبل زوجاته وهو صائم فإذا ببعض العلماء يجيز تقبيل الرجل لزوجته في الصيام ونسوا أن ذلك حرام .
إن النبي كان إماماً في الصلاة وقائداً في المعارك وقاضياً في جميع أمور المسلمين وزوجاته كثيرات يعدل بينهن فمن يقدر منا على ذلك ؟ .. لا أحد

ولا حول ولا قوة إلا بالله