جريدة صوت الأمه

20 / 9 / 2004

هل النبى هو أول خلق الله ؟

التفسير الخاطىء. . كالتشخيص الخاطىء . . كالدواء الخاطىء . . كارثه قاتله . . فرجل الدين لو أصاب فى فتواه مسح الجهل من العقول و القلوب . . و لو أخطأ فرض عليها الرطوبه و العتمه . . و المشكله أننا منحناه حصانه و إمامه و كفاءه دون أن يكون مهيأ لها أحيانا . . أو يستحقها أحيانا أخرى . . فكان ذنبا فى رقبته . . سامحه الله .

إن النصوص الدينيه قويه . . و تحتاج لمن يقدر عليها . . بالصبر  و العلم و شفافية النور التى تسيطر على القلب . . و تغذى الروح . . فالعقل وحده لا يكفى . . العقل مجرد مفتاح ندخل به . . ثم تنعدم قيمته . . لو كان العقل قادرا على إستيعاب كل شىء لكنا قد شاركنا الله فى قدراته . . فالله لا تدركه الأبصار . . و هو يدرك الأبصار . . لكن . . النبى صلى الله عليه و سلم مستثنى من القصور البشرى .

لقد أدرك النبى الله ببصره . . " ما زاغ البصر و ما طغى " . . و أدركه بعقله . . " أفتمارونه على ما يرى " . . و المراء هو نوع من الجدل . . و أدركه بقلبه . . " ما كذب الفؤاد ما رأى " . . و أدركه بروحه . . " و لقد رآه نزلة أخرى " .

إن العين هى أقل المدركات . . فلو توارى شخص كنت تراه فقدت العين خصائصها . . ليبدأ العقل فى تصور ما لا تراه العين . . و ما لا يدركه العقل يدركه القلب . . مثل معجزات الأنبياء . . لا يستوعبها العقل . . فيتدخل القلب ليستوعبها . . و بعد القلب هناك أمور ترسم ةعلاقة راقيه و رفيعه بين الأنسان و ربه لا يدركها القلب . . و هنا تأتى بصيرة الروح .

تمتع النبى بكل هذه المدركات التى لم يتمتع بها غيره . . لقد قال الله لموسى : " لن ترانى . . و لكن أنظر إلى الجبل " . . لكن النبى رأى الله و رؤية الله للنبى ليست الإستثناء الوحيد . . لقد أستثنى إيضا من الترتيب الزمنى للأنبياء . . إن ترتيب الأنبياء كما هو معروف : نوح . . إبراهيم . . موسى . . عيسى . . و النبى . . و لكن الله سبحانه و تعالى قال : " و أذا أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى بن مريم " . . لقد سبقت كلمة منك العائده على النبى ذكر الأنبياء الذين جرى ترتيبهم زمنيا كما حدث . . منك سبقت نوح و إبراهيم و موسى و عيسى بن مريم .

و الأنبياء جميعا دينهم الإسلام . . بمعنى الإسلام لله . . التسليم له . . إسلام العقل و القلب و الروح لله . . كل شخص يتبع دين أسلم أمره إلى الله . . و يقول سبحانه و تعالى للنبى : " قل أن صلاتى و نسكى و حياى و مماتى لله رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين ". . أول من أسلم لله . . أولهم فى الترتيب . . و يقول سبحانه و تعالى : " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " . . و المقصود بالعابدين الأنبياء و المرسلين و الملائكه و كل من عبد الله . . فالنبى له الأسبقيه فى العباده . . فلا أحد يعبد الله إلا إذا كان موجودا . . فكيف يكون أول العابدين قبل الأنبياء و المرسلين إذا لم يكن قد سبقهم فى الخلق ؟ . . المؤكد أن النبى كان موجودا قبلهم و لكن بصوره غير حسيه .

و لا داعى هنا للبحث عن العقل . . فالعقل فى الدين ضيق . . و ضعيف . . فلو فهمنا ربنا بالعقل لكنا مثله . . لابد أن يأتى لنا بشىء نحتار فيه . . لنقول لا حول و لا قوة إلا بالله . . لو أدركنا ما يفعل الله لفعلنا مثله . . نحى و نميت و نرسل رسلا و نحاسب على الذنوب . . و هذا أمر فوق المستحيل . . إن الإيمان بالقرآن يحتاج إلى ما هو أوسع و أرحب و أرقى من العقل .

يقول القرآن : " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه " . . لم يقل إلى الناس جميعا . . كذلك أرسل الله موسى إلى " قومه " فقط . . و عيسى بن مريم . . أرسله رسولا إلى بنى إسرائيل . . " كل نبى أرسل إلى قومه و أرسلت للناس جميعا " . . هكذا يقول القرآن للنبى . . بل تعدى الأمر ذلك إلى الجن . . ليكون ما نقول فوق العقل بالمره . . يقول سبحانه و تعالى للنبى : " قل أوحى إلى أنه أستمع نفرمن الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجنا يهدى إلى الرشد فآمنا به " . . و يقول سبحانه و تعالى : " و إذا صرفنا إليه نفرا من الجن يستمعون القرآن فلملا حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى و لوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا أنزل من بعد موسى " .

لقد كانت مشيئة الله حره فى الترتيب الزمنى . . تحترمه "أو تلغيه . . و كذلك العقل . . يقدره أو يسلبه . . كما يحدث أحيانا مع بعض الناس إن العقل ليس الأداه التى تقاس بها الإلهيات . . و بالتالى فليس غريبا أن يكون النبى بنص القرآن أرسل إلى الناس جميعا . . إلى الناس كافه . . كما فى قوله تعالى : " و أرسلناك للناس رسولا " و الناس تشمل البشر من بدء الخليقه إلى نهايتها . . لم يرسل لقوم بعينهم . . أرسل للكافه . . يقول الله للنبى : " قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم " . . و " ما أرسلناك إلا للناس كافه " .

لقد أرسل النبى لكافة الناس . . لا يستثنى منهم الأنبياء . . و لا الرسل . . و لا السابقون . . و لا اللاحقون . . أما عن كيفية إرساله إاليهم . . هى فى علم الله و قدراته . . و الله على كل شىء قدير . . قادر أن يبعثه ظاهرا و باطنا . . فى زمانه و فى غير زمانه .

لقد قال سيدنا إبراهيم منذ آلاف السنين لأبنائه " لا تموتن إلا و أنتم مسلمون " . . و قالت ملكة سبأ " إنى ظلمت نفسى " . . " و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين " و قال سيدنا سليمان للجن : " من منكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين " . . و فى القرآن أيضا : " و إذ قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله أمنا بالله و أشهد بأنا مسلمون " .

إن نبى الإسلام سيدنا محمد هو رسول الله للناس كافه . . رسول للأنبياء و المرسلين و رسول للبشر العاديين . . و من لا يستوعب ذلك فقد أخطأ فى التفسير . . تماما كالذى أخطأ فى تفسير حديث النبى صلى الله عليه و سلم الذى يقول فيه : " نصرت بالرعب مسيرة شهر " . . فقد خيل للبعض أن النبى كان يثير الرعب . . و الحقيقه أن الله سبحانه و تعالى هو الذى يلقى الرعب فى قلوب الذين كفروا . . يقول سبحانه و تعالى : " إذ يوحى ربك إلى الملائكه أنى معك فثبتوا الذين آمنوا سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب " . . و لو قال النبى أنى نصرت بالرعب مسيرة شهر فإنه يقصد أن الله يلقى الرعب فى قلوب أعدائه و بينه و بينهم مسيرة شهر حتى إذا وصلهم يكون الرعب قد حطم روحهم المعنويه . . الرعب سلاح إلهى و ليس سلاحا محمديا . . و لو وفسر الحديث على أن النبى كان مرعبا يكون التفسير قد أساء إليه

و فى النهايه هذه أمثله بسيطه لما نقع فيه إذا جعلنا ميزان العقل هو الميزان الأوحد المعتمد لدينا .  و لم ننتبه إلى المدركات الأخرى كالقلب و الروح . . العقل هو مجرد مداخل , لا ينفعنا بشىء بعد الخول . . و لو أن العقل راح يفلسف الفرائض التى فرضها الله علينا لأنكرها . . لو تفلسف فى كيفية الصلاه و الركوع و السجود أو الجوع و العطش فى الصيام أو السعى و الطواف و تقبيل الحجر الأسود و رجم عمود من الخرسانه رمزا لأبليس لما قبلنا العبادات و لفسدت العقيده .

و بهذا المثال الذى يضع العقل فى حجمه ننتقل إلى قول الله تعالى للنبى : " قل يا أيها الناس أنى رسول الله اليكم جميعا " . . لقد أرسل كل نبى إلى قومه . . و قوم النبى هم الذين أرسل إليهم . . أما أمته فهم المجموعه التى آمنت به من قومه . . و هو معنى مستقر لدينا . . و فى حالة النبى " أرسل للناس جميعا " يكون قوم النبى هم الناس جميعا و تكون أمة النبى هم كل من آمن به بمن فيهم الأنبياء و الملائكه و الجن . . هم جميعا أمة النبى التى قال الله عنها : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله " . . إن أمة النبى هى الأمه الوسط . . " و كذلك جعلناكم أمة وسطا " . . لنكون شهداء على الناس ( الذين أرسل اليهم النبى ) " و يكون الرسول عليكم شهيدا " . . و لم يذكر أسم الرسول لأنه الوحيد المعروف و الذى لا يحتاج إلى تعريف . . هذه الأمه الوسط جمعها الله من كل الأمم السابقه ثم يقول للنبى : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد و جئنا بك على هؤلاء شهيدا " .

و هذه الآيه تتحدث عن مسافه زمنيه شاسعه منذ بداية الخلق إلى نهايته . . لا تتحدث عن تلك الحقبه القصيره منذ أن نزل جبريل عليه و صلى الله عليه و سلم فى غار حراء . . و هم ما يعطى زخما و رونقا و طعما لكل رسالات الأنبياء السابقين فلا يترك مجالا للطعن فى أية رساله و لا يقبل بالتقليل من شأنها . . فكلهم أجزاء فى جسد واحد إذا أشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى و السهر .

يجب ألا نحمل العقل فوق طاقته لأن ذلك صعب . . بل مستحيل . . يجب أن نرحم عقولنا و نترفق بها و نرحمها . . و لا حول و لا قوة إلا بالله .