مجلة صوت الأمة

26/4/2004م

اهدنا الصراط المستقيم

  نردد كثيرا.. أن الإسلام دين الوسطية.. نقول خير الأمور الوسط.. ونتصور أن الوسطية هى مسك العصا من منتصفها.. أو الوقوف بين منطقتين متنافرتين.. متناقضتين.. متباعدتين.. وهذا التصور فيه اجتهاد بشرى.. لا اجتهاد إسلامى.

  إن الوسطية فى الإسلام هى الصراط المستقيم.. الخط الدقيق الفاصل بين الزيت والماء.. شعرة رفعية بين الحق والباطل.. ولان الوقوف على هذا الخط صعب.. ولأن الاحتفاظ بهذه الشعرة أكثر صعوبة.. فإن الصراط المستقيم لا نصل إليه إلا بالدعاء.. (( اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)).. إننا نكررها كلما قرأنا الفاتحة.. ونحن نقرأ الفاتحة فى كل صلاة أكثر من مرة.. لأن الوصول إلى الصراط المستقيم صعب جدا.. لا نقول مستحيلا.

  يقول الله سبحانه وتعالى للنبى صلى الله عليه وسلم: (( قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم)).. فالصراط المستقيم هداية من عند الله.. ويقول سبحانه وتعالى: (( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم )).. فالصراط المستقيم الذى منحه الله للرسول يمنحه الرسول لغيره من المؤمنين.. هؤلاء المؤمنين يصلون إلى الصراط المستقيم بطاعة الله ورسوله.. يقول سبحانه وتعالى: (( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)).

  لقد هدى الله النبيين إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق النبيين أنعم الله على قوم بهذه الهداية.. ثم هدى الله الصديقين إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق الصديقين أنعم الله على قوم بهذه الهداية.. ثم هدى الله الشهداء إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق الشهداء انعم الله على قوم بهذه الهداية.. ثم هدى الصالحين إلى الصراط المستقيم.. وعن طريق الصالحين أنعم الله على قوم بهذه الهداية.

  والكلام فى الصراط المستقيم دقيق جدا.. أرق من الشعرة.. ولكنه فى الوقت نفسه أحد من السيف.. المشى على الصراط المستقيم كالمشى على شعرة.. كالمشى على حد السيف.. ويستحيل أن يبحث أى شخص عنه بنفسه.. كل ما علينا أن نطلب من الله أن يهدينا الصراط المستقيم.. ونكرر ذلك بتكرار قراءة الفاتحة.. والمعروف أن الفاتحة كما فسرها سيدنا على زين العابدين بها ثلاث حقائق:

1-    الحقيقة الأولى حقيقية "حقية" وهى فى قوله سبحانه وتعالى " الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين" كلها تتعلق بالحق.

2-    الحقيقة الثانية حقيقية "خلقية"  جامعة بين الحق والخلق.. وهى فى قوله سبحانه وتعالى" إياك نعبد وإياك نستعين" فإذا تحقق الجزء الثانى كان الجزء الثالث أو الحقيقة الثالثة  .. وإذا لم يتحقق فقد الجزء الثانى والجزء الثالث.. إياك (حق) نعبد (حق) وإياك ( حق) نستعين(خلق).

3-  الحقيقة الثالثة حقيقة خلقية وهى فى قوله سبحانه وتعالى: "اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين".. وهذه حقيقة لا نصل إليها إلا إذا وصلنا إلى الحقيقة الثانية الجامعة بين الحقية والخلقية" إياك نعبد وإياك نستعين".. فإذا لم نصل إليها فقدناها وفقدنا الحقيقة الثالثة وبقيت لنا الحقيقة الأولى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  يقول الحديث القدسى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين يقول الحق حمدنى عبدى (الحقيقة الحقية) وإذا قال العبد الرحمن الرحيم يقول الحق مجدنى عبدى وإذا قال العبد مالك يوم الدين يقول الحق أثنى على عبدى (الحقيقة البرزخية) فإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الحق هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل ( الحقيقة الخلقية).

  والصراط المستقيم يشبه مركز الثقل بالنسبة للأجسام.. النقطة التى يتوازن عندها الجسم.. إذا لم يصل إليها وقع.. أو هى مثل مركز الدائرة.. لو ابتعدت عن مكانها ولو بمسافة غير محسوسة تغير شكل الدائرة..و لم تعد دائرة.. الصراط المستقيم هو نقطة الحياد.. نقطة قرار واستقرار الإيمان فى القلب التى يتحول فيها من قلب ( سمى قلبا لأنه ينقلب ككف اليد بين الكفر والإيمان ) إلى فؤاد ( سمى فؤاد ويعنى المستقر وقد يستقر عند الإيمان وقد يستقر عند الكفر ) ومن ثم نطلب من الله أن يربط على قلوبنا بما نحب.. الإيمان.. يقول الله سبحانه وتعالى: (( وليربط على قلوبكم )).

  إن نقطة الحياد هى نقطة صعبة جدا لذلك نطلبها من الله (( اهدنا الصراط المستقيم )).. ونحن  نكرر (( اهدنا الصراط المستقيم )).. ولا حول ولا قوة إلا بالله .