من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ؟
إن الحكيم من يضع الشئ فى نصابه وأهل الحكمة إذا أعطوها إلى غير أهلها ظلموها
لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن منكر أو أمر بمعروف باستخدام القوة .فى البدء كانت الكلمة .. هي رأس الحكمة وموطن المعرفة .. تصعد بك إلى الفردوس الأعلى وتهبط بمصيرك إلى الدرك الأسفل من النار .. تحميك وتقهرك .. تسعدك وتعذبك .. تمنحك ثقة بلا حدود .. وتجردك من كل ميزة قد تعتقد أنها في سجل أعمالك الخالدة .. ولذلك فالبداية منها والنهاية أيضا .. تعين أصحابها على تخطى الصعاب .. وعندما تعجزهم تجدهم يتخبطون في ظلمات بلا قرار .. هي وردة بريئة يحملها طفل لم يعرف شرور العالم بعد .. وخنجر مسموم يرفعه شيطان .. يضعه في ظهورنا حتى نعترف بعبقريته وندين له بالطاعة .. لكنها هي ذاتها الكلمة تحمينا منه وتعصمنا من ا لذلل . ولأنها سر الله .. جعلها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وقبل أن تصادر الحق لنفسك فيهما .. وتعتقد أنك مؤهل لتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر .. أعرف أولا من له الحق في توجيه هذا الأمر .. لقد قال الله تعالى " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " ، وتماما كما في الحياة .. لا يستطيع ضابط شرطة أن يأمر إلا جنوده ، لا أن يأمر جنود ضابط جيش ، لا يستطيع ناظر المدرسة أن يأمر إلا تلاميذه ، لا يستطيع أن يأمر تلاميذ مدرسة ناظراً آخر، لا يستطيع شخص إلا أن يأمر في بيته .. لا يستطيع أن يأمر في شارعه .. ولا يكون الأمر إلا على من لك كلمة عليه .. ولا يتعدى الأمر هذه الحدود. وعندما يكون لك الحق في الأمر فإنه لابد أن يكون بالمعروف، يقول سبحانه وتعالى " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن "لقد حدد الغاية "الدعوة" ورسم طريق الوسيلة إليها" الحكمة والموعظة الحسنة"، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون بالعنف .. ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهي عن منكر أو أمر بمعروف باستخدام القوة، أما إقامة الحدود بشروطها الشرعية الصارمة فهي عقوبة على فعل وليست نهياً عن فعل .. هذه العقوبة تكون لزجر الآخرين .. والزجر ليس تعنيفا .. الزجر هو النهي عن منكر للتعريف بحدود الله بالحكمة والموعظة الحسنة . لقد وضع القرآن الأمر في سياقه ، يقول سبحانه وتعالى " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " ويقول صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ". إن هذا الحديث الشريف وجد من يستخدمه إستخداماً خاطئاً ربما بحس نية، ربما بعدم تعمق في كلماته .. ولكن النتيجة أننا دفعنا ثمنا غاليا من القتل والذبح وترويع الآمنين ، وهو ما فعلته الجماعات المتشددة التي كلفنا ما فعلت مليارات من الجنيهات وتعطيلا لبرامج التنمية وتشويها لسمعة وطن كان يعرفه العالم كله بالأمن والطمأنينة. إن صيغة الأمر في الحديث الشريف .. وجهة إلى " منكم" ، إن " منكم" هنا تعني التخصص من رأى منكم سيارة مسرعة فليوقفها ، أمر لضباط المرور.. من رأى منكم مريضا فليعالجه ، أمر للأطباء .. هكذا شرط تنفيذ الأمر أن يكون الشخص قادرا على تغيير المنكر بوسائله الثلاث اليد واللسان والقلب .. إن لم يستطع بيده فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه هو لا قلب غيره .. إذن هو يمتلك مقومات التغيير كلها .. ويندر من الناحية الفعلية أن نجد مثل هذا الشخص ، ومن ثم فإن كلمة " منكم" محصورة فيمن يملك المقومات وليس كل من هب ودب. ولو عدنا إلى الحديث الشريف سنجد " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "؟ ، إن ذلك اسم إشارة يعود على البعيد لا القريب، يعود علي اليد وليس القلب، لو كان اسم الإشارة وهذا أضعف الإيمان، لكان القلب هو الأضعف، إن القلب لو كان متصلا بالله سبحانه وتعالى وصاحب دعوة مستجابة فإنه لابد أن يكون قويا ونافذا ومتجاوزا قوة اليد ، فالمأمورون في هذا الحديث الشريف هم القادرون على مقوماته: اليد واللسان والقلب معا، فلم تؤمر فئة بجزء التغيير باليد، ولم تؤمر فئة بالجزء آلاخروهو التغيير باللسان، ولم تؤمر فئة ثالثة بما تبقى:التغيير بالقلب، المأمورون مأمورون بالثلاثة وفي حدود الاستطاعة والقدرة ودون هدر الإمكانيات وتبديد الطاقات. إن الحكيم من يضع الشئ في نصابه وأهل الحكمة إذا أعطوها إلى غير أهلها ظلموها وإذا حجبوها عن أهلها ظلموهم.. ومن ثم لا يجوز الاستسهال في تفسير هذا الحديث الشريف وإلا هلك الناس وهلك الخير وهو ما حدث في سنوات العنف الذي تصور البعض أن هذا الحديث سند شرعي له فيما يفعل وما يرتكب . ولا حول ولا قوة إلا بالله.