صوت الأمة 13/1/2003
الشفاعة على باب المحكمة الشرعية
لا يسعى إلى الحرية إلا من تسكنه العبودية. من لا يقف على الإشارة لا ترشده العبارة .من تكلم في غير معناه خسر دعواه.. من تكلم بالدقائق عليه أن يدعمها بالحقائق وإلا لن يتجاوز العلائق والعوائق الإعجاب حجاب.. من لا يؤمن بالقدر فقد كفر ..ومن أحال المعاصي إلى الله فقد فجر. إن كل جملة صوفية وراءها مشاعر وأحاسيس سماوية لا نهائية فلماذا نأخذ كلمات الله وكأننا نلتقط شيئا على الأرض ونحن في قطار يسابق الريح؟ .. إن ذلك يجعلنا إما نقبل الشيء كله .. أو نرفضه كله.. وفي الحالين ننكر أهم قواعد الإسلام الوسطية. والمثير للدهشة أننا وقد فشلنا في حل مشاكل الدنيا نصر على أن نناقش مشاكل الأخرة.. إن أكبر دليل على ذلك قضية الشفاعة التي سيطرت على اهتمامات الناس ومناقشات العلماء التي نعامل بها أمورنا,, السرعة. والعجلة. وعدم الرو ية.. البعض أنكرها متسرعا على طريقة لا تقربوا الصلاة وهو يقرأ قوله تعالى:" يومئذ لا تنفع الشفاعة" دون أن يكمل الأية "إلامن أذن له الرحمن ورضى له قولا" فالشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله,. فهي موجودة ولكن بشروط. إن كلمة شفاعة تعني في اللغة الضم.. ضم واحد إلى واحد... ضم راي إلى رأى .ضم قوة إلى قوة .ضم حب إلى حب ضم رقم إلى رقم .. ويقال شفعه أي انضم إليه أو أمر غيره أن يسانده وتشفع له أي أمر بإحضار من ينضم إليه. ولو تصورنا شخصا رفع قضية في محكمة لو انضممت إليه فقد شفعته ولو وكلت له محاميا فقد شفعت له ولو كلفت شخصا ليحضر محاميا له فقد تشفعت له وعندما يقول الله تعالى: "فما تنفعهم شفاعة الشافعين" إذن تنفع غيرهم وهو يعني أن الشفاعة موجودة ويؤكد وجودها قوله تعالى: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" ولا يشفعون إلا لمن أرتضى .. "ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها"إذن هناك شفاعة حسنة وشفاعة سيئة .. الشفاعة الحسنة هي انضمام للصواب والشفاعة السيئة هي انضمام للخطأ الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله والخلاصة: الشفاعة موجودة لكنها ليست مطلقة ومربوطة بإذن من الله القاضي المطلق على كل ما نفعل.. يقول صلى الله عليه وسلم: "أنا أول شافع وأول مشفع" وقوله مزيد من التأكيد.
إن باب الشفاعة باب واسع له مدخل من اللغة وله مدخل من العرف وله مدخل من الشرع فقد يكون في الدنيا من يشفع تطوعا دون طلب ولمجرد توافق إرادتين أو تجانس قضيتين.. لكن فى الآخرة لا توجد شفاعة تطوعية .. والسبب أن الشفاعة فى الدنيا قد تقبل وقد ترفض . أما الشفاعة فى الآخرة فلا ترفض.. لأنها بإذن الله .. فسابق علمه سبحانه وتعالى يقتضى ذلك .. فالله يعلم أن عبدا له سينجو من العذاب بشفاعة عبد أخر له .. فإذا أذن الله لعبد من عباده أن يشفع فهو تكريم للعبد . للمأذون .. وليس إملاء على القاضى .. سبحانه وتعالى .. إن ذلك أشبه بقاضى فى الدنيا يقول للمحامى يا أستاذ قم واطلب البراءة لموكلك .. هذا يدل على أن القاضى يعلم مسبقا أن المتهم سوف يحصل على البراءة ولكنه أراد تكريم المحامى . إذن فى الدنيا نوكل بإرادتنا شفعاء عنا وقد تقبل شفاعتهم وقد ترفض أما فى الآخرة فالذى يوكل هو الله سبحانه وتعالى ومن ثم ليس منطقيا أن يوكلهم ليهينهم ويرفض طلباتهم. فى الدنيا يقدم القاضى كل الفرص لإجلاء الحقيقة حتى يستريح ضميره ويطمئن إلى منطوق حكمة فيسمح للمحامى بالمرافعة عسى أن يجلى أمامه ما هو غائب وغامض .. لكن ذلك لا ينطبق على الله سبحانه وتعالى فإنه بكل شئ عليم.
وهنا يأتى سؤال إذا كان الله بكل شئ عليما ويعرف أن المتهم برئ فما الداعى للشفاعة إن هناك قاعدة أصولية ماسية .إذا فهمناها تكون الفيصل فى كل الأمور العقلية والشرعية هى : يعلق الله ما يشاء من إرادته على إرادة من يشاء من عباده ويفعل الله ما يريد.
إن جميع الأنبياء مكتوبون فى اللوح المحفوظ قبل خلق سيدنا أدم .. فلماذا طلب سيدنا موسى من الله أن يجعل أخاه هارون رسولا .. هذه شفاعة .. بإذن الله .. وقد علق الله نبوة هارون على دعوة موسى بإرادته المطلقة سبحانه وتعالى .. ونعلم أن سيدنا يحيى مكتوب فى سجل الأنبياء قبل أن يخلق الله الأرض ومن عليها .. فما معنى أن يطلب سيدنا زكريا من الله أن يعطيه ولدا وبمواصفات معينة "ربى هب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ".. إننا نفهم أن الله أخر ظهور سيدنا يحيى حتى صار أبوه طاعنا فى السن وأمه بالطبع كانت عاقرا لا تلد .. وكل هذا لا يهم .. لا كبر سن سيدنا زكريا .. ولا عقم زوجته .. لكن ما أخر ظهور سيدنا يحيى هو عدم طلب سيدنا زكريا.. بدليل انه عندما طلبه أصلح الله له زوجته العاقر وانجب منها سيدنا يحيى .. لقد علق الله هنا إرادته بظهور سيدنا يحيى على إدارة عبده زكريا يعلق الله مايشاء.
فى الناحية المقابلة لم تطلب السيدة العذراء مريم رضوان الله عليها ان يكون لها ولد .. لكن عدم الزواج لم يمنعها من ان تنجب ولدا .. وفى هذه الحالة لم يعلق الله ظهور سيدنا عيسى على دعوة السيدة العذراء .. فالله يفعل ما يشاء .. يعلق إرادته على شئ او لا يعلق .. فإذا علق الله براءة عبد على دعوة عبد هذا لا يخرج من طلاقة القدرة.
ولو كانت دعوة الوالدين شافعة فإن دعوة المظلوم ضد الظالم عكس الشفاعة .. فليست كل دعوة شفاعة .. لكن لماذا جعل الله الشفاعة وهو على كل شئ قدير .. إنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل .. إذا أراد أن يكرم عبدا من عباده فإنه يكرمه بالأسلوب الذى يراه .. وليس بأسلوب آخر. وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل للأنبياء منزلة بين أقوامهم .. فكل قوم يتبعون نبيا إنما يتبعونه لإصلاح دنياهم وأخرتهم .. فلا بد أن يكون الأمل فى المبعوث من قبل الله حتى يتبعه الناس .. ولكنهم ليسوا شركاء له .. إنهم لا يشفعون إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى .. وهم لا يسبقون الله: "وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون" .. صدق الله العظيم.
فمن ظن أن الشفاعة تغير فى حكم الله أو إعتراض عليه فقد أخطأ .. الشفاعة تكون بإذن الله وإرادته لطلب الرحمة والرأ فة منه سبحانه .. الله يأ ذن أن نطلب ما عنده .. والتفضيل يكون بأمره ولا يختلف عليه عاقلان .. يقول فى محكم أياته "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض .. ويقول سبحانه وتعالى: ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض" وفى موضوع أخر يقول سبحانه وتعالى"ولقد كرمنا بنى أدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً .. إن رفع الدرجات هو شأن إلهى" نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذى علم عليم" .." ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات" .. ولا يزال فى الشفاعة مدد .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.