جريدة الفجر

العدد ( 170 )

عصمة الأنبياء بالميلاد وعصمة الأوليـاء بالاكتساب !

النبى معصومٌ من الخطأ .. والعصمة مثل الحصانة .. يمكن رفعها .. ومعناها أن النبى لا يخطئ .. فهو معصوم منه .. لكنه .. غير معصوم من الله .. وإلا كان الله لا يقدر عليه .. لا يقدر أن يشعره بالجوع أو العطش أو يميته ويمرضه .. فالله قادر على اختراق هذه العصمة .. حتى يذكره بأنه لا يزال عبداً له .. ولو بدرجة نبى .

يقول سبحانه وتعالى : " وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .... ( 67 ) " سورة المائدة  .. ومعناها أن لا أحد من الناس يقدر عليه .. لكن .. ذلك فى الوقت نفسه لا يعنى أن الله لا يقدر عليه .. فلا شئ يعجز الله عنه .. لا شئ أقوى من الله .. والنبى لا يزال شيئاً .. كل خلق الله شئ .. والله على كل شئ قدير .

 إن النبى هو أول خلق الله .. وقد استغل بعض الناس ذلك ليقولوا : إنه ليس شيئاً فقد خُلِقَ قبل الأشياء .. فرد عليهم الراسخون فى العلم .. إنه أول شئ .. وطالما هو مخلوق إذن فهو شئ .. والله على كل شئٍ قدير .

وفى الشعر الصوفى نقرأ ما يفسر ذلك : قالوا للنبى كنت شيئاً وآدمُ لم يكن شيئاَ .. وحويت الأسرار بالنشر والطى ( جملة وتفصيلاً ) .. وقديماً تقاسمت قسمة السبى ( الغنائم ) .. لك ذاتُ العلوم فى عالم الغيب .. ومنها لآدم الأسماءُ .

وذات العلوم هى كلمة لا إله إلا الله لقوله سبحانه وتعالى للنبى : " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ  ( 19 ) " سورة محمد .. وذات العلوم تعنى صاحبة العلوم .. قياساً على قوله سبحانه وتعالى : " وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) " سورة القمر .. سفينة نوح المكونة من ألواح ومسامير .. وقياساً على " أسماء بنت أبى بكر ذات النطاقين " .. أى صاحبة الحبلين .. أو الحزامين .. فذات الشئ أى صاحبة الشئ .

لكن .. حتى لو كان للنبى ذات العلوم فهو عبد .. وحتى لو كان أول خلق الله فهو شئ .. والله على كل شئٍ قدير .. الله قدير عليه .. وعلى اختراق عصمته .. فإذا اخترق الله عصمته فلا حساب عليه .. لأنه مثل قلم فى يد القدرة الإلهية .. إذا أخطأ لا يُحَاسب وإنما يُحَاسب الكاتب به .. وكالسيارة التى ترتكب شيئاً .. لا تُحَاسب وإنما يُحَاسب من يقودها .. لذلك فكل ما تحت هذا النوع من العصمة أفعاله على الله .. لا يُحَاسب على خيرها ولا على شرها .. ولو وصل الأمر إلى حد القتل .. كما فعل سيدنا موسى بالرجل الذى صرعه .. وكما فعل سينا الخضر بالغلام الذى قتله .

إن أفعال الأنبياء هى بيد الله لأنهم معصومون من صفات البشر وأول عصمة عند الأنبياء هى عصمتهم من احتياجهم لباقى خلق الله .. الله أغناهم .. هم أغنياء بالله .. وفقراء إليه .. وما ينطبق على الأنبياء ينطبق على الأولياء .. غير أن هذه الصفة .. صفة العصمة يتغير اسمها عند الأولياء فتُسمى الحفظ أو الضمان .

ويولد الأنبياء بالعصمة لكن الأولياء يكتسبونها .. ومن هنا يكون الضمان عصمة مكتسبة .. والعصمة ضمان فطرى .. وما ينطبق على الأولياء ينطبق على الصحابة .. فقد بدأوا حياتهم فى الجاهلية .. ومنهم من كان يعبد الأصنام .. ومنهم من كان يتقرب من الأوثان .. ومنهم من دفن ابنة له حية .. لكنهم بعد الإسلام أصبحوا مبشرين بالجنة .. ومن يبشر بالجنة لا يقع فى الخطأ .. مثل الذى ينجح فى الامتحان يظل ناجحاً ولو أخطأ فيما بعد فى إجابة سؤال .. فقد انتهى الامتحان .. إن الصحابة والأولياء يصبحون على ذمة الآخرة وهم فى الدنيا .. ولا حساب لهم فى الآخرة .. ويصبحون أداة فى يد القدرة لا يُثاب على شئ ولا يعاقب على شئ .

نعود إلى العصمة النبوية .. إن النبى المعصوم من الخطأ لن يحاسبه الله على شئ فعله .. لكن .. هل يعنى ذلك أن النبى يُخطئ .. يقول سبحانه وتعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ .... ( 1 ) " سورة التحريم .. ثم بعدها يقول سبحانه وتعالى : " وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "  .. فلو فعل غير النبى ما فعل فهو خطأ .. أما لو فعله النبى فهو مشيئة الله كى يخترق عصمة النبى ويدلل لنا على عبوديته حتى لا يذهب البعض بعيداً ويفكر فى عبادة النبى ويعرف أن الله وحده هو من يُعبد .

يقول سبحانه وتعالى : "  وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) " سورة الإسراء.. والمعنى الموجه للنبى من الله : إنك معصومٌ بى لكنك لست معصوماً منى .. فليتذكر الناس إنك عبدى .. أنت أعظم وأول خلقى .. لكنك خلقى .

ويقول سبحانه وتعالى : "  وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) " سورة الإسراء.. ويقول سبحانه وتعالى : " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ { الشريان الموصل للقلب } (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) " سورة الحاقة .. والمقصود .. إنه عبد الله .. لو كذب عليه ضيعه .. ويقدر على محاسبته .. لكن .. كون أن الله لا يفعل ذلك فهو حر .. الله قادر .. ولو لم يُعَاقِب .

يقول البُصيرى عن الرسول شعراً : " وغايةُ العلمِ فيه أنه بشرٌ .. وأنه خيرَ خلق الله كُلهمِ " .. هو معصوم بالله ومصدر عصمته هو الله ولكن لا عاصم من أمر الله إلا من رحم .. هو محفوظ بالله .. مؤيد بالله .. مرسل من الله .. شفعه الله وقبل شفاعته .. وعلمه الله ما لم يكن يعلم .. وأدبه الله فأحسن تأديبه .. وكل مدح فى الصنعة عائد إلى الصانع ..

ولا حول ولا قوة إلا بالله .