جريدة الفجر
العدد (168)
كيف يكون الأبن عدواً لأبيه ؟
ما نختال به . . قد يصبح عبئاً علينا . . فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا . . وهما فى موضع آخر من كتاب الله . فتنه . . " إنما أموالكم وأولادكم فتنه " . . والفتنه تأتى دائماً من الزينه . . زينة الحياة الدنيا .
يقول سبحانه وتعالى : " إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وأتيناه من الكنوز ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبه أولى القوه " . . إن هذا المال كان فتنه . . بسبب الزينه . .
" خرج على قومه فى زينته " .
وكلمة فتنه قد تعنى الإختبار . . الذهب يفتن بالنار . . يختبر بالنار . . وقد تعنى التباس الحق بالباطل . . قال سبحانه وتعالى : " كلما ردوا إلى فتنة أركسوا فيها " . . وقعوا فيها .
والزينه ليست باقيه . . المال والبنون زينه . . ليس هناك ما يخلد وجودهما فى حياة الإنسان . . الزينه زائله . . ومن إعتمد على شىء يزول فقد فتن . . فكتاب الله يضيف بعد وصف المال والبنون بزينة الحياة الدنيا . .أن" الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً " . . وهو ما يعنى أن المال والبنون ليسا من الباقيات الصالحات إلا إذا كانا فى سبيل الله . . المال يصبح صدقه جاريه . . والبنون يكونون صالحين يدعون لآبائهم . . حسب قول رسول الله : " إذا مات ابن آدم إنقطع عمله إلا من ثلاث صدقه جاريه وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له " .
لكن لو إستغنى الإنسان بماله . . أوأستعلى بعلمه . . أوإستكثر بذريته . . فقد وضع نفسه فى شر الفتنه . . لقوله تعالى : " ذرنى ومن خلقت وحيداً وجعلت له مالاً ممدوداً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً ثم يطمع أن أزيد " . . "سأرهقه صعوداً " .
والفتنه إختبار . . لكنه إختبار غير مضمون النتائج . . وجمعها فتن . . لكن . . فى المقابل هناك ما يسمى بالفتون . . والفتون إختبار مضمون النتيجه . . إمتحان يعرف صاحبه أنه سيجتازه . . سيجتازه .
يقول سبحانه وتعالى : " وفتناك فتوناً " . . ولم يقل وفتناك فتناً . . أى وضعناك فى إختبار لكنه مضمون . . والإختبارات المضمونه تذكير للبشر بأنهم بشر مهما كانت مرتبتهم . . تذكير لهم بأنهم مهما كانوا فهم فى النهايه عبيد لله . . يغتر إبنك ببراعته فى علم الرياضيات فتطلب منه حل مسأله صعبه يفشل فيها فتعيده إلى رشده .
إن هذه المسأله الصعبه وضعها الله أمام سيدنا موسى من خلال قصته الشهيره مع سيدنا الخضر . . هناك فرق بينهما . . الخضر ولى . . موسى نبى ورسول ومن أولى العزم وهى مرتبه عليا من مراتب النبوه .
أراد الله أن يعلّم موسى على يد الخضر الذى يصفه بأنه عبد من عبادنا آتيناه رحمة وعلمناه من لدنا علماً . . سأله سيدنا موسى : " هل أتبعك على أن تعلمنى مما علمت رشدا " . . وكأنه يطلب منه أن يتتلمذ على يديه . . قال الخضر وهو يسمى بالعبد الصالح : "إنك لن تستطيع معى صبراً وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا " . . وإستمر الحوار بينهما برقى يصعب تكراره .
النبى : ستجدنى إن شاء الله صابراً ولا أعصى لك أمراً .
الولى : فإن أتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرى .
وافق موسى وإنطلقا حتى إذا ركبا السفينة خرقها الخضر فقال موسى النبى : أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً .
الولى : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبراً .
النبى : لاتؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا .
فإنطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله ( الخضر ) فإستعجله موسى النبى قائلاً :
أقتلت نفساً ذكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً .
الولى : ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبراً ؟
النبى : إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذراً .
وإنطلقا من جديد ودخلا قرية طلبا طعاماً من أهلها فلم يستجيبوا ورغم ذلك قام الخضر ببناء جدار يريد أن بنقض فظن موسى أن الدخول فى هذا الأمر ممكن :
النبى : لو شئت لإتخذت عليه أجراً .
الولى : هذا فراق بينى وبينك . . سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً .
وراح الخضر يفسر الأمر كما نعرفه . . لكن . . ما نريده هنا هو أن نثبت كيف أراد الله أن يعلم موسى ويضعه فى إمتحان من نوع الفتون وليس الفتن .
هذه بعض الفتون التى فتن بها الله سيدنا موسى . . ليس من باب الغضب وإنما من باب التعليم والتربيه والمحبه حتى يظل ملازماً لكونه عبداً لرب قادر على الهبه والمنع .
وليس كل زينه ضد وإنما الزينه الضد هى زينة من إغتر بزينته فى الدنيا وهو ما يفقده الزينه فى الآخره . . فمن إستغل زينته فى الدنيا إستغلالا صحيحاً ظلت له ثواباً وأملاً فى الآخره .
أما كيف يصبح الأزواج والأولاد أعداء لنا فإن ذلك يحدث بالفتنه . . مثل إمرأة نوح . . وإمرأة لوط . . كل منهما كانت زوجة انبى . . ورغم ذلك كانت عدوة له . . وعندما يصل الأمر إلى هذا المستوى من الأنبياء فلا يصعب أن يحدث ذلك للبشر . . فكم وجدنا أبناء يقتلون أبائهم . . وزوجات يحرضن على أزواجهن . . وسبحان الله . . ولا حول ولا قوة إلا بالله .