جريدة الفجر
عدد رقم ( 162 )
نحن لا نقدر على أن يكون الرسول قدوة لنا
* هل هـؤلاء هـم الذين يقـول الله سبـحانه وتعـالى عنهـم في كتابه الكريم : " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " ؟
* يستر الله على عباده الذين يرتكبون الكبائر والفواحش .. لكنهم من باب التفاخر يفضحون أنفسهم بأنفسهم
* لا .. الذين يحبون الفاحشة هم الذين يفترون على المشاهير ورجال الله والسادة المحترمين وينسبون إليهم ما ليس فيهم وبلا من تدمير سمعتهم نجد أن الناس تقلدهم .. فهم قدوة في الخير والشر
لو أشعت أن رجلاًً صالحاً تزوج سراً فإنك دون أن تدرى تجعل الناس يقلدونه ويتزوجون سراً.. هذا نشر للفاحشة وليس طعناً في برئ منها.. ولو قلت أن رجلاً فاضلاً يدخن الحشيش ويتعاطى المخدرات بحجة أنك تريد أن يكرهه الناس فإذا بالناس التي تحترمه وترى فيه نموذجاً تقلده وتدخن الحشيش وتتعاطى المخدرات .. إن ذلك هو نشر الفاحشة ممن يحبونها.. وهم اللذين وعدهم الله بعذاب أليم في الدنيا والآخره .
ذات يوم سمعت من شاب قصة إدمانه المخدرات.. فقد أراد جارهم في العمارة أن يطعن في أبيه فادعى أنه يتعاطى معه المخدرات .. وفضل الجار أن يسئ إلى سمعته حتى يلصق التهمه بأبي الشاب الذي أعتبر أن المخدرات ميزه طالما أن أبيه الذي يحبه ويحترمه يتعاطها.. فمشي في طريقها.. ولم يكتشف الحقيقة إلا بعد فوات الأوان .. إن ذلك الجار واحد من اللذين يحبون الفاحشة ويروجون لها بهدف آخر.
وفى قرية من قرى الصعيد أشاعوا عن شيخ الجامع أنه يشجع على الزواج السري فلم يفاتحه بعض أهالي القرية في ذلك وإنما لأنهم يحبونه قلدوه فانتشرت تلك الظاهرة المؤسفة في القرية.
والعذاب في الدنيا والآخرة أليم فإشاعة الفاحشة تعبر في الوقت نفسه عن البغضاء .. والبغض عندما يفيض عن الصدور يخرج إلى اللسان .. يقول سبحانه وتعالى : قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (118) آل عمران .
ولا يقتل البغضاء إلا التسامح وهو ما يجب أن يدعو إليه علماء الدين دون أن ينسوا أنفسهم .. عليهم أن يبدأوا التسامح بأنفسهم .. عليهم أن يتمتعوا ببعض من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم..لقد تعرض لأذى لم يتعرض له غيره .. ورغم ذلك فيوم فتح مكة سأل أهلها الذين أخرجوه منها ( ما تظنون أنى فاعل بكم ؟ ) قالوا : ( خيراً أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ) .. فقال: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .
إن العلماء هم ورثة الأنبياء وواجب عليهم أن يأخذوا منهم الرحمة والمعرفة والعفو والتسامح وسعة الصدر وحسن الظن لا أن يعنفوا الناس ويبلغوا عنهم النيابة ويدفعوا بهم إلى المحاكم متمنين حبسهم .. يكفيهم قـول الله سبحانه وتعالى :( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا (38) سورة الحج .
سوء الظن ينتج عن الضعف والكبر .. ( ولا يدخل الجنة من كان يملك مثقال حبة من الكبر أو سوء الظن).. يقول سبحاه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (12) سورة الحجرات .
ويقول سبحانه وتعالى : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (21) سورة الأحزاب .. ويفسر غالبية العلماء كلمة أسوة بالقدوة لكن أهل الله من الصوفية لا يقولون ذلك ويفرقون بين العبادة والإتباع والإقتداء والتأسي .
العبادة هي طاعة المتبوع طاعة مطلقه ابتغاء مرضاته وطمعاً فيما عنده .. وهذا لا ينبغي إلا لله .. نطيعه طاعة عمياء .. مطلقه .
والإتباع هو طاعة مطلقه للمتبوع ابتغاء مرضاة الله وطمعاً فيما عند المتبوع وما عند الله .. إننا نتبع النبي ونطيعه طاعة مطلقه ابتغاء مرضاة الله .. ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) سورة آل عمران .. وما عند النبي كثير.. الرحمة .. الحلم .. الشفاعه .. و باقي الأشياء الجميلة التي أعطاها الله له وأمرنا أن نأخذها عنه .. يقول سبحانه وتعالى : ( مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) سورة الحشر .. والقدوة هي طاعة المقتدى ابتغاء رضاء الله والرسول وطمعاً فيما عند المتبوع وما عنده من الله ورسوله .. نحن نطيع الإمام ليس ابتغاء مرضاته وإنما طمعاً فيما عند الله ورسوله .. مثل أجر الصلاة .. ويجوز الاستدراك مع القدوة .. فمثلاً يمكن أن نذكر الإمام في السهو .. أو نكمل له لو نسي .. ونصحح له لو أخطأ .. والتعديل له لو تجاوز.. ومفارقته لو أصر.
يجوز في حق المقتدى أن نتبعه ابتغاء مرضاة الله ورسوله ولكن يجوز أن ننبهه لو أخطاء .. إن ذلك لا يجوز في العبادة والإتباع .
أما التأسي فهو أمر مختلف تماماً عن الإقتداء لأن المقتدى يفعل مثل ما يفعل القدوة .. فلو تبرع القدوة بمليون جنيه تبرع المقتدى بالمبلغ نفسه .. أما المتأسي فيتبرع بجزء ولو ضئيل من القدوة .
إن النبي كان يصلى حتى تتورم قدماه لكننا لا نقدر على ذلك..لا نقدر على الإقتداء به .. يكفى التأسي.. والنبي لا يورث .. ولو اقتدينا به لا نورث .. ونحن نورث أولادنا.. وهناك أمثله أخرى .
عندما قُتل حمزة عم النبي فقال: ( لأقتلنا فيه عشره ) .. قال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (126) سورة النحل .. فقال النبي : ( إذن نقتل واحداً ) .. فقال سبحانه وتعالى: ( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) سورة النحل .. فقال النبي : ( صبرت ) واحتسب عمه عند الله .
كان النبي يواصل الصيام ولا يفطر.. مغرب بعد مغرب .. بلا إفطار.. فلو كان قدوه لنا لوجب علينا أن نفعل ذلك .. لكن يكفينا التأسي.. وعندما حاول بعض الصحابة تقليده قال لهم : بل صوموا وأفطروا إني لست كهيئتكم إنما يطعمني ربى ويسقيني .
كان النبي يقبل زوجاته وهو صائم فإذا ببعض العلماء يجيز تقبيل الرجل لزوجته في الصيام ونسوا أن ذلك حرام .
إن النبي كان إماماً في الصلاة وقائداً في المعارك وقاضياً في جميع أمور المسلمين وزوجاته كثيرات يعدل بينهن فمن يقدر منا على ذلك ؟ .. لا أحد ..
ولا حول ولا قوة إلا بالله